عمرو عمار يكتب:خيانات الجيش الفنزويلي من تشافيز إلى مادورو
تأثر (هوجو تشافيز) منذ أن كان طالبا بالكلية الحربية، بشخصية (سيمون بوليفار)، وبالعفوية الشعبية للمذهب البوليفاري، واتخذه كرمز ثورى في منهجية تفكيره، وعقيدته العسكرية، وعلى هذا أسس تشافيز حركة ثورية سياسية اجتماعية باسم (الحركة البوليفارية الثورية - 200)، وأقسم تشافيز ورفاقه على تحرير فنزويلا من الليبرالية الجديدة، والإمبريالية العالمية، مثلما أقسم سيمون بوليفارمن قبل، على تكريس حياته من أجل تحرير فنزويلا من الإسبان.
وعلى هذا، نفذت الحركة الثورية البوليفارية، تحت قيادة تشافيز، محاولتي إنقلاب عسكري فاشلة في فبراير، ونوفمبر من عام 1992، وحكم عليه بالسجن عامين، قبل أن يطلق سراحه عام 1994، ثم تطورت الحركة بمرور الوقت إلى (حركة الجمهورية الخامسة)، وكانت بمثابة قاعدة شعبية لترشيح (هوجو تشافيز)، رئيسا للجمهورية، في انتخابات ديمقراطية، في ديسمبر من عام 1998.
ارتكز حكم تشافير على مفهوم الثورية النضالية، واعتمد خطة (بوليفار 2000)، وتبنى سياسة خارجية معادية للإمبريالية الأمريكية، حيث أعاد إحياء منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك).
وبعد أن فرض تشافيز قبضته على (شركة النفط الوطنية الفنزويلية)، كأحد أهم أعمدة الاقتصاد الفنزويلي، وفي تحدي لإدارة بوش الابن، قام باستبدل مدراء الشركة المتأمركين، بأخرين من الوطنيين، وبذلك دانت لتشافيز السيطرة على الصناعة الوطنية، وعادت ثروات البلاد إلى الشعب الفنزويلي، واحتلت فنزويلا عام 2002، رابع أكبر مصدر للنفط على مستوي العالم، وحلت في المرتبة الثالثة بين الدول التي تعتمد عليها أمريكا في استيراد النفط، وهذا أزعج أمريكا كثيرًا.
كما وطد تشافيز من علاقتة بالرئيس الكوبي (فيدل كاسترو)، المعادي لواشنطن، ومنح بلاده أفضلية في أسعار النفط، ودعا إلى انضمام بلاده إلى تكتل (ميركوسور)، وهو تكتل اقتصادي يضم كل من الأرجنتين، والبرازيل، وأورجواي، وبارجواي.
وحينما ترأس مجموعة الدول النامية الـ 77، دعا تشافيز إلى التخلص من الليبرالية الجديدة السامة، وقاد هجمة شرسة ضد مذابح الجيش الأمريكي في أفغانستان عام 2001، مستدعيا السفير الأمريكي في كاراكاس العاصمة.
آنذاك قرر (جورج تينيت)، مدير وكالة الاستخبارات المركزية فى إدارة بوش الابن، التخلص من تشافيز، فقام بدعم (كارلوس أورتيجا) أحد فلول نظام الرئيس السابق (كارلوس أندريس بيريز)، من أجل تدبير اضراب عام من قبل اتحاد العمال الفنزويلي، والعاملين في مجال النفط، يهدف إلى ضرب الاقتصاد الفنزويلي الذي يعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط.
بركنز يكشف المستور
رواية (هوجو تشافيز)، مليئة بالأسرار، وشاهدة على عصر من الهيمنة الأمريكية على مقدرات الشعوب، والإطاحة بأي نظام يرفض الدوران في الفلك الأمريكي، والخضوع إلى اقتصاد السوق، تحت شعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام رغبات الشعوب وحقها في تقرير المصير، ولم تكن هذه الشعارات سوى أدوات خبيثة تستخدمها عصابات واشنطن، ونيويورك، كسوط على رقبة كل من تسول له نفسه التصدي للكاوبوي الأمريكي.
يقول القاتل الاقتصادي جون بركنز في مذكراته (اعترافات قرصان اقتصادي):
عام 1930، كانت فنزويلا أكبر مصدر للنفط في العالم، وتحولت خلال الأربعين عام التالية من دولة فقيرة، إلى أكثر دول أمريكا اللاتينية ثراء، حتى اشتعلت حرب 1973، بين مصر وإسرائيل، آنذاك ارتفعت أسعار النفط العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، تضاعفت معها ميزانية فنزويلا إلى أربعة الضعف، ما أسال لعاب قراصنة الاقتصاد، فبدأو في إغمار الدولة بالقروض المتتالية من البنوك الدولية، بغرض تحسين البني التحتيه، وتطوير قطاع الصناعة، وبناء ناطحات السحاب، إلى أن وصل عرابو الكوربوقراطية خلال حقبة الثمانينيات.
ومع انهيار أسعار البترول أواخر الثمانينيات، عجزت فنزويلا عن الوفاء بالتزامتها تجاه صندوق النقد الدولي، الذي فرض على العاصمة كاراكاس، شروطا قاسية للانصياع إلى الكوربوقراطية.
ومثلما حال جميع اقتصادات الدول التي تعتمد على سلعة النفط، فقد زاد الفقر في فنزويلا مع الإنهيار الاقتصادي للبلاد، حيث هبط الناتج المحلي لفنزويلا إلى ما يزيد عن (40%)، بين عامى (1978 - 2003).
هذه الأوضاع مهدت الطريق لانتخاب (هوجو تشافيز) رئيسا جديدا على فنزويلا بأغلبية ساحقة، وبدعم كبير من فقراء فنزويلا، بعد سلسلة طويلة من رؤساء فاسدين حطموا اقتصاد فنزويلا.
يستطرد بركنز: حكم تشافيز فنزويلا بحكومة ديمقراطية اشتراكية يسارية، ونادى بتكامل أمريكا اللاتينية سياسيا واقتصاديا، وحارب العولمة الغربية، والإمبريالية العالمية، وتصدي لإدارة جورج بوش الابن، وأعاد نفط فنزويلا لأبناء فنزويلا.
الأمر لم يعجب الولايات المتحدة الأمريكية، وكان بوش في حيره من أمره مع تشافيز، بعد فشل مهمة قراصنة الاقتصاد، وفي توقيت بالغ الصعوبة على البيت الأبيض الذي كان قد اتخذ قرار الحرب في أفغانستان، والعراق، ومن الصعب فتح جبهة عسكرية ثالثة في فنزويلا، فتم تنظيم انقلاب عسكري للإطاحة بتشافيز.
ثورة ملونة وانقلاب عسكري فاشل
العام 2002، خرجت الطبقة العليا في العاصمة كاراكاس إلى الشوارع، للإحتجاج على السياسات الاجتماعية للرئيس (هوجو تشافيز)، مدعومة من خلف الستار بقيادات عسكرية كبيرة؛ وبدأ التلاعب بالعقول، والخداع البصري، ولعبت محطات التلفاز الخاصة الموالية للغرب دور البطولة في هذه الثورة، حينما بثت على شاشاتها مشاهد غضبة الثوار، كموجات بشرية متلاحقة بالآلاف، وأظهرت بوضوح حادث (جسر لياجونو)، كما لو كان أنصار ومؤيدي تشافيز يطلقون النار على الحشود.
فيما بعد أظهر تحقيق صحفي نشرعلى الموقع الإليكتروني الرسمي لـ (الدبلوماسية الفرنسية)، عن عملية تلاعب بالصور، حيث كشفت لوحات المراقبة الخاصة بالبرازيل عن تفاصيل مجزرة الجسر؛ أظهرت اللوحات حدوث تعديل في الترتيب الزمنى للحدث، حتى يظهر مؤيدي تشافيز هم من أطلقوا النار على الحشود، في حين أن الكاميرات أظهرت أن مؤيدو تشافيز تعرضوا للهجوم من قبل الحشود، مما دفعهم إلى إطلاق النيران أثناء الفرار.
كما أظهر التحقيق تورط رجال الشرطة المحليين، المدربين من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي(FBI)، على أعمال القتل والقنص(2).
تماما مثلما فعلت قناة الجزيرة في ليبيا، إبان الإنتفاضة المسلحة ضد القذافي عام 2011، حينما تلاعبت في الصورة، والترتيب الزمنى للحدث، فأظهرت مسيرة سلمية من مؤيدي نظام القذافي على أنهم من الثوار، وقد تم تفجير المكان، وسقطت الضحايا، والصقت التهمة بنظام القذافي.
ووفقًا لأدبيات الثورات الملونة، سقوط الضحايا من الثوار، يؤدى إلى سقوط النظام سريعًا؛ حينها يخرج مهيج الجماهير للتنديد بوحشية النظام الذي يقتل شعبه.
وفي حالة فنزويلا، فقد خرج جنرال الحرس الوطني (لويس كاماتشو كايروز)، في مؤتمر صحفي، وأعلن أن ميليشيات تشافيز أطلقت النار وقتلت (19 شخصًا)، وفي مشهد دراماتيكي يدغدغ المشاعر، يعلن الرجل استقالته من منصبه، ويدعو الشعب الفنزويلي إلى إسقاط الديكتاتور.
وفي دقائق معدودة يخرج اللاعب الأساسي من خندقه، إذ أعلن قائد الجيش، الجنرال (افران فاسكيز) انضمامه إلى التمرد، تلاه وزير المالية الجنرال (فرانسيسكو أوسون)، بعدها بث التلفزيون الخاص رسالة من رئيس أركان الجيش الفنزويلي، الجنرال (لوكاس رينكون)، إلى الشعب الفنزويلي، قال فيها:
«نحن أعضاء هيئة الأركان العسكرية، نستنكر الأحداث المؤسفة التي وقعت في العاصمة أمس، وواجهنا مثل هذه الحقائق... طلبنا من رئيس الجمهورية الاستقالة، وقد قبلها وسيتم سجن (هوجو تشافيز) على الفور في (فورت تونا) »(3).
كل شئ كان مُعد سلفا بإتقان شديد، والجميع يعلم جيدا الدور المُوكل له. تم القبض على تشافيز من قبل المتمردين العسكريين، وأثناء احتفالات الصحف الغربية، ووسائل الإعلام، والبيت الأبيض، بمباركة الانقلاب العسكري، وانتصار قيم الديمقراطية، ووسط سخط من موسكو، وباريس، على انتهاك النظام الدستوري في فنزويلا، وبينما أعلن الرئيس السابق (كارلوس أندريس بيريز) من منفاه في نيويورك، عن قرب عودتة إلى كاراكاس وعودة الديمقراطية، وأثناء تشكيل المتمردين حكومة انتقالية جديدة، والدعوة إلى انتخابات برلمانية تأسيسية من أجل تعديل الدستور، وحل جميع السلطات الحكومية والقضائية.
أثناء كل هذا، كان الملايين من الشعب الفنزويلي يهرولون إلى شوارع العاصمة كاراكاس، يهتفون باسم (تشافيز.. الحرية). قاموا بمحاصرة مبني الإذاعة والتلفزيون، ومقر تواجد الجنرال (بيدرو كارمونا)، مدبر الانقلاب ورئيس الحكومة المؤقتة، فعاد تشافيز محمولا على الأعناق بعد 72 ساعة فقط من محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، رغم أنف واشنطن.
غرفة عمليات كاسترو تنقذ تشافيز
وحول القبض على تشافيز، واعتقاله، يكشف زعيم كوبا (فيدل كاسترو)، في مقابلة صحفيه نادرة له في أبريل 2002، مع (إغناستو رامونيه) رئيس تحرير (لوموند ديبلوماتيك)(4)، تفاصيل هذه الساعات، حيث قام كاسترو بالاتصال بتشافيز قبل الاعتقال، وكان هناك ثلاث خيارات تم مناقشتها على حد قول كاسترو: أما المقاومة حتى الموت، أو إعلان التمرد وإشعال حرب أهلية، أوالاستسلام دون إعلان الاستقالة... اختار تشافيز الحل الثالث.
ويؤكد (كاسترو) عبر هذه المقابلة أن (تشافيز) استسلم، ولم يقدم استقالته كما أشاع اللانقلابيون، ووكالات الإعلام الغربية، وقد تم اقتيادة إلى مكان سري في جزيرة (لا أوركيلا).
كما كشف كاسترو النقاب عن إرسال الانقلابيين، رئيس أساقفة كاراكاس إلى (تشافيز)، لحثه على تقديم استقالاته في خطاب مكتوب بخط يده، حتى لا تقع البلاد في براثن الحرب الأهلية، دون جدوى.
وأقر كاسترو بإدارته غرفة عمليات واتصالات مباشرة ومستمرة مع أبنة تشافيز، وبعض الجنرالات المواليين له، بهدف وضع خطة للعثور على تشافيز وإنقاذه، بالتزامن مع حشد الشعب الفنزويلي لاقتحام قصر (ميرافلوريس)، وطرد الرئيس المغتصب للسلطة.





